فوزي آل سيف
18
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
أي رشد في هذا الموقف؟ «دخل العباس بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، على هارون فكلمه كلاماً طويلاً، فقال هارون: يا ابن الفاعلة. قال: تلك أمك التي تواردها النخاسون. فأمر به فأدني فضربه بالجرز (عمود من حديد) حتى قتله»[39]. وكأنه كان ينبغي على العباس هذا أن يسمع من هارون نعت أمه بالزنا وأن يسكت! أما إذا رد عليه كلامه فإن جزاءه القتل! هذا هو الرشد في قاموس هارون!. وكنت قد أشرت إلى بعض جهات السفه وما أكثرها في شخصية هارون العباسي في كتاب: نساء حول أهل البيت ونضيف إليها ما ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء «لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فراودها عن نفسها، فقالت: لا أصلح لك، إن أباك قد طاف (دخل) بي، فشغف بها، فأرسل إلى أبي يوسف، فسأله: أعندك في هذا شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أو كلما ادعت أمة شيئًا ينبغي أن تصدق، لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة، قال ابن المبارك: فلم أدر ممن أعجب: من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم لا يتحرج عن حرمة أبيه، أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها، قال: اهتك حرمة أبيك، واقض شهوتك، وصيره في رقبتي».[40] «وتعلق هواه بجارية فأمر وزيره يحيى أن يدفع ثمنها وكان مائة ألف دينار، فاستكثر يحيى المال واعتذر عن دفعه فغضب الرشيد! فأراد يحيى أن يبين له مقدار ما يتحمله بيت المال من هذا الاسراف الذي لا مصلحة فيه ولا منفعة، فجعل المال دراهم، فبلغت مليوناً فوضعها في الرواق الذي يمر به الرشيد إذا اراد الوضوء، فلما رأى ذلك استكثره وأدرك إسرافه. وجبي مال عظيم من بقايا خراج الموصل فأمر بصرفه أجمع إلى بعض جواريه فاستعظم الناس ذلك وتحدثوا به، وأصاب أبو العتاهية من ذلك شبه الجنون فقال له خالد بن الأزهر: ما بك يا أبا العتاهية؟ فقال: سبحان الله أيدفع هذا المال الجليل إلى امرأة؟ وإذا كان المؤرخون المعاصرون للخلفاء يدافعون عنهم طمعًا في دنياهم وأموالهم، فلا أعلم لماذا يدافع مثل ابن خلدون عن هارون قائلاً بأنه: “لم يكن الرجل بحيث يوقع محرماً من أكبر الكبائر عند أهل الملة ولقد كان أولئك القوم كلهم بمنجاة من ارتكاب السرف والترف في ملابسهم وزينتهم وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة وسذاجة الدين التي لم يفارقوها”![41] ولا أعلم هل كان أولئك الحاكمون على السذاجة، أو المؤرخون الذي كتبوا عنهم كابن خلدون زاعمين أنه لم يكن على تلك الحال بل كان يغزو عاماً ويحج عاماً!!..نعم لو كانت غزواته كالتي ذكرت أعلاه، فلم تكن كل عام بل ربما كل يوم”[42].. هل يرى المسلمون فيما سبق وهو غيض من فيض ما ينطبق على مواصفات الحاكم المسلم الرشيد؟.
--> 39 الأصبهاني، أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ٤١٣ 40 السيوطي، جلال الدين: تاريخ الخلفاء ٢١٥ 41 ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون ١/٢٥ 42 آل سيف؛ فوزي: نساء حول أهل البيت 2